السيد محمد حسين فضل الله

16

من وحي القرآن

فاختلفوا وتقاتلوا حولهم وحول رسالتهم ، في طريقة الإيمان بها ، أو في أصل الإيمان بها . . . فلعل الآية كانت تريد أن توحي بالتقاء الرسل على رسالة اللّه ، باعتبارها سر شخصيتهم الرسالية ، وبأن تفضيل اللّه لبعضهم على بعض لم يمنع من هذا اللقاء ، لأن جهات التفضيل لا توجب الخلاف فيما بينهم ليختلف من بعدهم على هذا الأساس ، بل هي من مميزات شخصيتهم ورسالتهم في ما تحتاج إليه من مميزات . كيف حدث اختلاف أممهم ؟ 5 - كيف حدث الاختلاف والتقاتل بين أمم الأنبياء ولماذا ؟ لقد قرر اللّه أنه كان قادرا على أن يمنع الاقتتال والاختلاف بين الأمم بالقوة القاهرة ، التي تجعل من وحدة الإيمان عنصرا من العناصر الذاتية للإنسان كما هو لونه وصفات جسده الأخرى ، ولكنه أراد للإنسان أن يتحرك نحو الإيمان أو الكفر بإرادته واختياره ، من خلال السنّة الكونية التي أراد أن يربط فيها الأسباب بمسبباتها ، مما قد يفرض الكفر إذا تحقق سببه كما يفرض الإيمان إذا تحقق سببه ، الأمر الذي قد يؤدي إلى التقاتل والتنازع في الأجواء الحادّة التي تتجمع ظروفها الموضوعية في هذه الساحة أو تلك . وهذا ما جرت عليه سنة الحياة في ما سنّ اللّه للحياة من خطط أو قوانين ، ولكن ذلك لا يعني أن اللّه يرضى به أو يريده في الإطار التشريعي ، بل كان ينهى عنه في هذا الإطار من أجل أن يقود الإرادة الإنسانية للاختيار الأفضل من موقع القناعة الذاتية ، وهذا هو معنى أن اللّه يفعل ما يريد ، من دون أن يكون ذلك منطلقا من فكرة الجبر ومبتعدا عن فكرة الحرية والاختيار .